سامي الجابر والنقد البهلواني!

الكاتب: محمد الشيخ

الصحيفة: الرياض

التاريخ: 9/2/2014

 

 

  الأحكام الانطباعية في النقد الرياضي السعودي هي السائدة، فمعظم هذا النقد عاطفياً، يبنى على التأثر اللحظي بالحدث، حيث تغيب عنه الرؤية التحليلية المبنية على أدلة ثابتة، أو مقاربات منطقية، ولذلك يأتي غالباً في صورة احتفاليات فرح، أو بكائيات خسارة، تماماً كما يحدث اليوم من كثير من الكتاب تجاه حالة سامي الجابر. 

 


   رؤيتي هذه لواقع النقد الرياضي السعودي لخّصها بشكل أبسط رئيس نادي الهلال الأمير عبدالرحمن بن مساعد ذات لقاء تلفزيوني حين وصف بعض الكتّاب ب "كتّاب أبو مقالين"، في إشارة منه إلى أن البعض منهم يمكن أن يتحول في رؤيته النقدية 180 درجة ما بين المدح والقدح بحسب مقتضى الحال حين تحرير مقالته. 

 


   تلك حقيقة لا مناص منها، وما واجهه سامي الجابر قبل تسلمه تدريب الهلال وما يواجهه اليوم من كثير من الكتاب وكذلك المحليين يكشف تهافت الرؤية النقدية الرياضية لدينا، فما بين من أثنى مهللاً ل (رغبة) سامي في قيادة الدفة الفنية للكتيبة الزرقاء، ومدح معززاً (تلبية) الإدارة لتلك الرغبة برؤية خالية من التحليل؛ إذ نحت منحى النظرة "المدرجاتية" للحدث، وبين من سجل موقفاً رمادياً لا رؤية واضحة فيه في ارتباك معلوم مسبباته، وبين من صمت على حدث مهم في تلك اللحظة وكأن على رأسه الطير لحسابات شخصية، ثمة قلة قليلة انبرت لممارسة دورها النقدي بمهنية عميقة وشجاعة لافتة. 

 


   اللافت الآن أن هناك اختلالاً في التعاطي النقدي مع واقع الجابر التدريبي عند أولئك، فمن بينهم من انحرف عن قناعته بمجرد أن خسر الهلال بطولة كأس ولي العهد، بل إن ثمة من انقلب عليها تماماً فور تقدم النصر بفارق تسع نقاط حيث بدت ملامح خسارة الدوري أكثر وضوحاً، في حين تشبث البعض بدعمهم لسامي دون إعطاء أي موقف حيال خسارة بطولة ولي العهد، وهي البطولة التي كانت بمثابة تخصص، وازدياد وضوح معالم خسارة البطولة المحلية الأكبر؛ محولين بوصلة نقدهم باتجاه أمور أخرى على غرار التحكيم وغيره في رؤية تقوم على المناكفة لا على المنطقية في النقد، في الوقت الذي حمل فيه الرماديون والصامتون سيوفهم الخشبية ممارسين دوراً "دونكشوتياً" مفضوحاً. 

 


كل ذلك يكشف عن حقيقة أن الطرح الرياضي الإعلامي لدينا هو أقرب للممارسة البهلوانية منها إلى النقد، وهو ما أربك المشهد الرياضي في كثير من جوانبه، وما الإطاحة بالإدارات، وإقالات المدربين، وإلغاء عقود اللاعبين، وهدم الاستراتيجيات المبنية، وبعثرة أوراق الخطط المرسومة، إلا نتيجة لتفاعل المسؤولين مع هذا النقد البهلواني الذي يتبدل ويتشكل بحسب المواقف والمصالح، وهو ما وقعت فيه إدارة الهلال الحالية غير مرة رغم قبض الأمير عبدالرحمن بن مساعد على هذه الحقيقة منذ وقت باكر لتسلمه مفاتيح النادي. 

 


   هنا لا أعمم بهلوانية النقد على كل الممارسين للعملية النقدية الرياضية، فثمة أسماء وإن كانت قليلة جداً قد أثبتت رصانة موقفها وعمق رؤيتها في حالات كثيرة وآخرها في حالة سامي الجابر سواء بالتأييد له لتسلمه مسؤولية تدريب الهلال أو عدمه؛ إذ قد قدمت رؤيتها بناء على استقراء عام للمشهد بعيداً عن علاقات المحبين، وعدائية المبغضين، وإنما احتراماً للذات وإخلاصا للمهنية، وهما اللتان أصبحتا تباعان بأرخص الأثمان في ساحة النقد البهلواني!.